فخر الدين الرازي
85
القضاء والقدر
والعضلات والرباطات ، إلى غير ذلك من الأعضاء البسيطة - فإذا حرك الإنسان بدنه ، فلا معنى لهذا التحريك إلا أنه حرك مجموع تلك الأجزاء ، لكنا نعلم بالضرورة أنه البتة غير عالم بأعداد تلك الأعضاء . وأيضا : فلا شك أنه لما حرك بدنه ، فقد نقل تلك الجثة من حيز إلى حيز ، ومر بما بين الطرفين ، مع أنه غير عالم بأعداد تلك الأحياز فلا يمكنه أن يعلم ما بين مبدأ تلك الحركة إلى منتهاها . وأيضا : فلا شك أن تلك الحركة وقعت في مقدار معين من الزمان ، وذلك القدر المعين من الزمان ، مركب من آنات متتالية متعاقبة . وهو البتة لا يعلم مقدار الزمان ، ولا عدد الآنات ، التي منها تركب ذلك الزمان . فثبت بما ذكرنا : أن من انتقل من مكان إلى مكان ، فهو لم يعلم أن الأجزاء التي حركها . كم هي ؟ والأحياز التي منها تألفت تلك المسافة التي فيها وقعت الحركة . كم هي ؟ والآنات التي منها تألف الزمان ، الذي هو طرف لتلك الحركة . كم هي ؟ فثبت : أن العبد غير عالم بتفاصيل أفعاله البتة . الثالث : إن الإنسان إذا تحرك . فلا شك أن حركته أبطأ من حركة الفلك . وللناس في هذا البطء مذهبان : أحدهما : مذهب المتكلمين « 1 » : وهو أن الحركة البطيئة نشأت عن كونه متحركا في بعض الأحياز ، وساكنا في بعضها ، فامتزجت تلك الحركات ، بتلك السكنات ، فشاهد تلك الحركات المخلوطة ، بتلك السكنات : حركة بطيئة . إذا ثبت هذا ، فنقول : إذا كانت هذه الحركة فعلا اختياريا ، وجب القطع بأن الإنسان باختياره يتحرك في بعض الأحياز ، وباختياره يسكن في بعضها . لكن تخصيص بعض لأحياز بالحركة ، والبعض بالسكون ، تخصيصا بالقصد ، لا يمكن إلا بعد الشعور والعلم . لكنا نعلم بالضرورة : أن الإنسان إذا تحرك فإنه لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحياز ، ويسكن في بعضها . وكيف يقال : إنه باختياره فعل في بعض الأحياز حركة ، وفي بعضها سكونا ؟ . والمذهب الثاني : مذهب الفلاسفة : وهو أن الحركة البطيئة : حركة من أول المسافة إلى آخرها ، ولم يختلط بها شيء من السكونات . والبطء : كيفية قائمة بالحركة . وعلى هذا المذهب ، فالإشكال لازم من وجه آخر . وذلك أن مراتب البطء والسرعة في الحركات كثيرة متفاوتة . فإنه لا بطء ، إلا ويوجد ما هو أبطأ منه ، أو ما هو أسرع منه . فوقوع هذه المرتبة المعينة من البطء والسرعة ، دون سائر المراتب ، لا بد وأن يكون بالقصد . لأن القصد إلى إيقاع هذه المرتبة دون سائر المراتب : مشروط بالعلم بامتياز هذه المرتبة عن سائر
--> ( 1 ) راجع النجاة لابن سينا فصل « في أنه لا يمكن أن تكون حركة مكانية غير متجزئة على ما يراه القائلون بجزء غير متجزئ ولا في غاية السرعة ولا في غاية البطء » ( 137 - 148 ) والشفاء له ( السماع الطبيعي ) بتحقيق سعيد زائد 203 - 208 ؛ والمباحث المشرقية للرازي 1 / 602 ؛ المواقف للإيجي ص 175 . وقد سبق للرازي أن بحث المسألة في « المطالب العالية » 6 / 99 .